فصل: وفاة الصالح بن الناصر

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


 وفاة أبي سعيد ملك العراق وانقراض أمر بني هلاكو

ثم توفي أبو سعيد ملك العراق من التتر ابن خربندا بن بغو بن أبغا بن هلاكو بن طولي خان بن جنكز خان سنة ست وثلاثين وسبعمائة لعشرين سنة من ملكه ولم يعقب فانقرض بموته ملك بني هلاكو‏.‏ وصار الأمر بالعراق لسواهم وافترق ملك التتر في سائر ممالكهم كما نذكر في أخبارهم‏.‏ ولما استبد ببغداد الشيخ حسن من أسباطهم كثر عليه المنازعون فبعث رسله إلى الناصر قبل وفاته يستنجده على أن يسلم له بغداد ويعطي الرهن في العساكر حتى يقضي بها في أعدائه فأجابه الناصر إلى ذلك ثم توفي قريباً فلم يتم والأمر لله وحده‏.‏ وصول هدية ملك المغرب الأقصى مع رسله وكريمته صحبة الحاج كان ملك بني قرين بالمغرب الأقصى قد استحفل لهذه العصور وصار للسلطان أبي الحسن علي بن السلطان أبي سعيد عثمان بن السلطان أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق جد ملوكهم وأسف إلى ملك جيرانهم من الدول فزحف إلى المغرب الأوسط وهو في ملكة بني عبد الواد أعداء قومه من زناتة وملكهم أبو تاشفين عبد الرحمن بن أبي حمو موسى بن أبي سعيد عثمان بن السلطان يغمراسن بن زيان جد ملوكهم أيضاً وكرسيه تلمسان سبعة وعشرين شهراً‏.‏ ونصب عليها المجانيق وأدار بالأسوار سياجاً لمنع وصول الميرة والأقوات إليها‏.‏ وتقرى أعمالها بلداً بلداً فملك جميعها‏.‏ ثم افتتحها عنوة آخر رمضان سنة سبع وثلاثين ففض جموعها وقتل سلطانها عند باب قصره كما نذكره في أخبارهم‏.‏ ثم كتب للملك الناصر صاحب مصر يخبره بفتحها وزوال العائق عن وفادة الحاج وإنه ناظر في ذلك بما يسهل سبيلهم ويزيل عللهم‏.‏ وكانت كريمة من كرائم أبيه السلطان أبي سعيد ومن أهل فراشه قد اقتضت منه الوعد بالحج عندما ملك تلمسان‏.‏ فلما فتحها وأذهب عدوه منها جهز تلك المرأة للحج بما يناسب قرابتها منه وجهز معها للملك الناصر صاحب مصر هدية فخمة مشتملة على خمسمائة من الجياد المغربيات بعدتها وعدة فرسانها من السروج واللجم والسيوف وطرف المغرب وماعونه من شتى أصنافه ومن ثياب الحرير والصوف والكتان وصنائع الجلد حتى ليزعموا أنه كان فيها من أواني الخزف وأصناف الدر والياقوت وما يشبههما في سبيل التودد‏.‏ وعرض أحوال المغرب على سلطان المشرق‏.‏ ولعظم قدر هذه الوافدة عند الناصر أوفد معها من عظماء قومه ووزرائه وأهل مجلسه فوفدوا على الناصر سنة ثمان وثلاثين وأحلهم بأشرف محل من التكرمة وبعث من اصطبلاته ثلاثين خطلاً من البغال يحملون الهدية من بحر النيل سوى ما تبعها من البخاتي والجمال‏.‏ وجلس لهم في يوم مشهود ودخلوا عليه وعرضوا الهدية فعم بها أهل دولته إحساناً في ذلك المجلس‏.‏ واستأثر منها على ما زعموا بالدر والياقوت فقط‏.‏ ثم فرقهم في منازله وأنزلهم دار كرامته وقد هيئت بالفرش والمعون ووفر لهم الجرايات واستكثر لهم من الأزودة‏.‏ وبعث أمراء في خدمتهم إلى الحجاز حتى قضوا فرضهم في تلك السنة وانقلبوا إلى سلطانهم فجهز الناصر معهم هدية إلى ملك المغرب تشتمل على ثياب الحرير المصنوعة بالإسكندرية وعين منها الحمل المتعارف في كل سنة لخزانة السلطان وقيمته لذلك العهد خمسون ألف دينار‏.‏ وعلى خيمة من خيم السلطان المصنوعة بالشام فيها أمثال البيوت والقباب والكفات مرساة أطرافها في الأرض بأوتاد الحديد والخشب كأنها قباب مائلة وعلى خيمة مؤزر باطنها من ثياب الحرير العراقية وظاهرها من ثياب القطن الصرافية مستجادة الصنعة بين الحدل والأوتاد أحسن ما يراه من البيوت وعلى صوان من الحرير مربع الشكل يقام بالحدل الحافظ ظله من الشمس‏.‏ وعلى عشرة من الجياد المقربات الملوكية بسروج ولجم ملوكية مصنوعة من الذهب والفضة مرصعة باللآلي والفصوص‏.‏ وبعث مع تلك الجياد خدماً يقومون بنبائها المتعارف فيها‏.‏ ووصلت الهدية إلى سلطان المغرب فوقعت منه أحسن المواقع وأعاد الكتب والرسل بالشكر واستحكمت المودة بين هذين السلطانين واتصلت المهاداة إلى أن مضيا لسبيلهما والله تعالى ولي التوفيق‏.‏

 وفاة الخليفة أبي الربيع وولاية ابنه

قد ذكرنا أيام الظاهر وأنه أقام خليفة بمصر من ولد الراشد وصل يومئذ من بغداد واسمه أحمد بن محمد وذكرنا نسبه هنالك إلى الراشد وأنه بويع له بالخلافة سنة ستين وستمائة ولقبه الحاكم فلم يزل في خلافته إلى أن توفي سنة إحدى وسبعمائة وقد عهد لابنه سليمان فبايع له أهل دولة الناصر الكافلون لها‏.‏ ولقبوه المستكفي فبقي خليفة سائر أيام الناصر‏.‏ ثم تنكر له السلطان سنة ست وثلاثين لشيء نمي له عن بنيه فأسكنه بالقلعة ومنعه من لقاء الناس فبقي حولاً كذلك‏.‏ ثم ترك سبيله ونزل إلى بيته‏.‏ ثم كثرت السعاية في بنيه فغربه سنة ثمان وثلاثين إلى قوص هو وبنيه وسائر أقاربه‏.‏ وأقام هنالك إلى أن هلك سنة أربعين قبل مهلك الناصر وقد عهد بالخلافة لابنه أحمد ولقبه الحاكم فلم يمض الناصر عهده في ذلك لأن أكثر السعاية المشار إليها كانت فيه فنصب للخلافة بعد المستكفي ابن عمه إبراهيم بن محمد ولقبه الواثق وهلك لأشهر قريبة فاتفق الأمراء بعده على إمضاء عهد المستكفي في ابنه أحمد فبايعوه سنة إحدى وأربعين‏.‏ وأقام في الخلافة إلى سنة ثلاث وخمسين فتوفي وولي أخوه أبو بكر ولقب المعتضد‏.‏ ثم هلك سنة ثلاث وستين لعشرة أشهر من خلافته ونصب بعده ابنه محمد ولقبه المتوكل ونورد من أخباره في أماكنها ما يحضرنا ذكره والله سبحانه وتعالى أعلم بغيبه‏.‏ نكبة تنكز ومقتله كان تنكز مولى من موالي لاشين اصطفاه الناصر وقربه وشهد معه وقائع التتر وسار معه إلى الكرك وأقام في خدمته مدة خلعه‏.‏ ولما رجع إلى كرسيه ومهد أمور ملكه ورتب الولاية لمن يرضاه من أمرائه بعث تنكز إلى الشام وجعله نائباً بدمشق ومشارفاً لسائر بلاد الروم ففتح ملطية ودوخ بلاد الأرمن‏.‏ وكان يتردد بالوفادة على السلطان يشاوره وربما استدعاه للمفاوضة في المهمات واستفحل في دفاع التتر وكيادهم‏.‏ ولما توفي أبو سعيد وانقرض ملك بني هلاكو وافترق أمر بغداد وتورين وكانا معاً يجاورانه ويستنجدانه وسخطه بعضهم فراسل السلطان بغشه وادهانه في طاعته وممالأة أعدائه‏.‏ وشرع السلطان في استكشاف حاله وكان قد عقد له على بنته فبعث دواداره بإجار يستقدمه للأعراس بها وكان عدواً له للمنافسة والغيرة فأشار على تنكز بالمقام وتخليه عن السلطان وغشه في النصيحة‏.‏ وحذر السلطان منه فبعث الملك الناصر إلى طشتمر نائب صفد أن يتوجه إلى دمشق ويقبض عليه فقبض عليه سنة أربعين لثمان وعشرين سنة لولايته بدمشق‏.‏ وبعث الملك الناصر مولاه لشمك إلى دمشق في العساكر فأحاط على موجوده وكان شيئاً لا يعبر عنه من أصناف الممتلكات وجاء به مقيداً فاعتقل بالإسكندرية ثم قتل في محبسه والله تعالى أعلم‏.‏

 وفاة الملك الناصر وابنه انوك قبله

وولاية ابنه أبي بكر ثم كجك ثم توفي الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون أمجد ما كان ملكاً وأعظم استبداداً توفي على فراشه في ذي الحجة آخر إحدى وأربعين وسبعمائة بعد أن توفي قبله بقليل ابنه أنوك فاحتسبه‏.‏ وكانت وفاته لثمان وأربعين سنة من ولايته الأولى في كفالة طنبغا وثلاث وثلاثين من حين استبداده بأمره بعد بيبرس‏.‏ وصفا الملك له وولى النيابة في هذه ثلاثة من أمرائه بيبرس الدوادار المؤرخ ثم بكتمر الجوكندار ثم أرغون الدوادار ولم يود أحداً النيابة بعده‏.‏ وبقيت الوظيفة عطلاً آخر أيامه‏.‏ وأما دواداريته فأيدمر ثم سلار ثم الحلي ثم يوسف بن الأسعد ثم بغا ثم طاجار وكتب عنه شرف الدين بن فضل الله ثم علاء الدين بن الأمير ثم محي الدين بن فضل الله ثم ابنه شهاب الدين ثم ابنه الآخر علاء الدين‏.‏ وولى القضاء في دولته تقي الدين بن دقيق العيد ثم بدر الدين بن جماعة‏.‏ وإنما ذكرت هذه الوظائف وإن كان ذلك ليس من شرط الكتاب لعظم دولة الناصر وطول أمدها واستفحال دولة الترك عندها وقدمت الكتاب على القضاة وإن كانوا أحق بالتقديم لأن الكتاب أمس بالدولة فإنهم من أعوان الملك‏.‏ ولما اشتد المرض بالسلطان وكان قوصون أحظى عظيم من أمرائه فبادر القصر في مماليكه متسلحين وكان بشتك يضاهيه فارتاب وسلح أصحابه وبدا بينهما التنافس ودس بشتك الشكوى إلى السلطان فاستدعاهما وأصلح بينهما‏.‏ وأراد أن يعهد بالملك إلى قوصون فامتنع فعهد لابنه أبي بكر ومات فمال من عماله بشتك إلى ولاية أحمد صاحب الكرك وأبى قوصون إلا الوفاء بعهد السلطان‏.‏ ثم رجع إليه بشتك بعد مراوضة فبويع أبو بكر ولقب المنصور وقام بأمر الدولة قرصون وردفه قطلو بغا الفخري فولوا على نيابة السلطان طقرمرد وبعثوا على حلب طشتمر وعلى حمص أخضر عوضاً عن طغراي وأقروا كتبغا الصالحي على دمشق‏.‏ ثم استوحش بشتك من استبداد قوصون وقطلو بغا دونه فطلب نيابة دمشق وكان يعجب بها من يوم دخلها للحوطة على تنكز فاستعفوه‏.‏ فلماجاء للوداع قبض عليه قطلوبغا الفخري وبعث به إلى الإسكندرية ثم أقبل السلطان أبو بكر على لذاته ونزع عن الملك وصار يمشي في سكك المدينة في الليل متنكراً مخالطاً للسوقة فنكر ذلك الأمراء وخلعه قوصون وقطلو بغا لسبعة وخمسين يوماً من بيعته وبعثوا به إلى قوص فحبس بها وولوا أخاه كجك ولقبوه الأشرف وعزلوا طقرمرد عن النيابة‏.‏ وقام بها قوصون وبعثوا طقرمرد نائباً على حماة وأدالوا به من الأفضل بن المؤيد فكان آخر من وليها من بني المظفر وقبضوا على طاجا الدويدار وبعثوا به إلى الإسكندرية فغرق في البحر وبعثوا بقتل بشتك في محبسه بالإسكندرية والله تعالى ينصر من يشاء من عباده‏.‏

 مقتل قوصون ودولة أحمد بن الملك الناصر

لما بلغ الخبر إلى الأمراء بالشام باستبداد قوصون على الدولة غصوا من مكانه واعتزموا على البيعة لأحمد بن الملك الناصر وكان يومئذ بالكرك مقيماً منذ ولاه أبوه إمارتها كما قدمناه فكاتبه طشتمر نائب حمص وأخضر نائب حلب‏.‏ واستدعاه إلى الملك وبلغ الخبر إلى مصر فخرج قطلو بغا في العساكر لحصار الكرك وبعثوا إلى طنبغا الصالحي نائب دمشق فسار في العساكر إلى حلب للقبض على طشتمر نائب حمص وأخضر‏.‏ وكان قطلو بغا الفخري قد استوحش من صاحبه قوصون وغص باستبداده عليه‏.‏ فلما فصل بالجند من مصر بعث ببيعته إلى أحمد بن الملك الناصر بالكرك وسار إلى الشام فأقام دعوته في دمشق ودعا إليها طقرمرد نائب حماة فأجابه وقدم عليه وانتهى الخبر إلى طنبغا نائب دمشق وهو يحاصر حلب فأفرج عنها ودعاه قطلو بغا إلى بيعة أحمد فانتقض عليه أصحابه وسار إلى مصر واستولى قطلو بغا الفخري على الشام أجمع بدعوة أحمد‏.‏ وبعث إلى الأمراء بمصر فأجابوا إليها‏.‏ واجتمع أيدغمش وأقسنقر السلاري وغازي ومن تبعهم من الأمراء على البيعة لأحمد واستراب بهم قوصون كافل المملكة‏.‏ وهم بالقبض عليهم وشاور طنبغا اليحياوي من عنده من أصحابه في ذلك فغشوه وخذلوه وركب القوم ليلاً‏.‏ وكان أيدغمش عنده بالإسطبل وهو أمير الماصورية وهم قوصون بالركوب فخذله وثنى عزمه‏.‏ ثم ركب معهم واتصلت الهيعة ونادى في الغوغاء بنهب بيوت قوصون فنهبوها وخربوها وخربوا الحمامات التي بناها بالقرافة تحت القلعة‏.‏ ونهب شيخها شمس الدين الأصفهاني فسلبوه ثيابه وانطلقت أيدي الغوغاء في البلد ولحقت الناس منهم مضرات في بيوتهم‏.‏ واقتحموا بيت حسام الدين الغوري قاضي الحنفية فنهبوه وسبوا عياله‏.‏ وقادهم إليه بعض من كان يحنق عليه من الخصوم فجرت عليه معرة من ذلك‏.‏ ثم اقتحم أيدغمش وأصحابه القلعة وتقبضوا على قوصون وبعثوا به إلى الإسكندرية فمات في محبسه وكان قوصون قد أخرج جماعة من الأمراء للقاء طنبغا الصاحي فسار قرا سنقر السلاري في أثرهم وتقبض عليهم وعلى الصالحي وبعث بهم جميعاً إلى الإسكندرية فيما بعد سنة خمس وأربعين‏.‏ وبعث لأحمد بن الملك الناصر وطير إليه بالخبر وتقبض على جماعة من الأمراء واعتقلهم‏.‏ ثم قدم السلطان أحمد من الكرك في رمضان سنة اثنين وأربعين ومعه طشتمر نائب حمص وأخضر نائب حلب وقطلو بغا الفخري فولى طشتمر نائباً بمصر وقطلو بغا الفخري بعثه إلى دمشق نائباً‏.‏ ثم قبض على أخضر لشهر أو نحوه‏.‏ وقبض على أيدغمش وأقسنقر السلاري‏.‏ ثم ولى أيدغمش على حلب وبلغ الخبر إلى قطلو بغا الفخري قبل وصوله إلى دمشق فعدل إلى حلب واتبعته العساكر فلم يدركوه‏.‏ وتقبض على أيدغمش بحلب وبعث به إلى مصر فاعتقل مع طشتمر وارتاب الأمراء بأنفسهم‏.‏ واستوحش السلطان منهم انتهى والله أعلم‏.‏

 مسير السلطان أحمد إلى الكرك

واتفاق الأمراء على خلعه والبيعة لأخيه الصالح ولما استوحش الأمراء من السلطان وارتاب بهم ارتحل إلى الكرك لثلاثة أشهر من بيعته واحتمل معه طشتمر وأيدغمش معتقلين واستصحب الخليفة الحاكم واستوحش نائب صفد بيبرس الأحمدي‏.‏ وسار إلى دمشق وهي يومئذ فوضى فتلقاه العسكر وأنزلوه وبعث السلطان في القبض عليه فأبى من أعطاه يده‏.‏ وقال إنما الطاعة لسلطان مصر وأما صاحب الكرك فلا‏.‏ وطالت غيبة السلطان أحمد بالكرك واضطرب الشام فبعث إليه الأمراء بمصر في الرجوع إلى دار ملكه فامتنع وقال هذه مملكتي أنزل من بلادها حيث شئت‏.‏ وعمد إلى طشتمر وأيدغمش الفخري فقتلهما فاجتمع الأمراء بمصر وكبيرهم بيبرس العلاني وأرغون الكاملي وخلعوه وبايعوا لأخيه إسماعيل في محرم سنة ثلاث وأربعين ولقبوه الصالح‏.‏ فولى أقسنقر السلاري ونقل أيدغمش الناصري من نيابة حلب إلى نيابة دمشق‏.‏ وولى مكانه بحلب طقرمرد‏.‏ ثم عزل أيدغمش من دمشق ونقل إليها طقرمرد وولى بحلب طنبغا المارداني ثم هلك المارداني فولي مكانه طنبغا اليحياوي واستقامت أموره والله تعالى ولي التوفيق‏.‏

 ثورة رمضان بن الناصر ومقتله وحصار الكرك

ومقتل السلطان أحمد ثم أن بعض المماليك داخل رمضان بن الملك الناصر في الثورة بأخيه وواعده قبة النصر فركب إليهم وأخلفوه فوقف في مماليكه ساعة يهتفون بدعوته‏.‏ ثم استمر هارباً إلى الكرك واتبعه العسكر مجدين السير في الطريق وجاؤوا به فقتل بمصر‏.‏ وارتاب السلطان بالكثير من الأمراء وتقبض على نائبه أقسنقر السلاري وبعث به إلى الإسكندرية فقتل هنالك وولى مكانه انجاح الملك‏.‏ ثم سرح العساكر سنة أربع وأربعين لحصار الكرك مترادفة ونزع بعض العساكر عن السلطان أحمد من الكبهرك فلحقوا بمصر وكان آخر من سار من الأمراء لحصار الكرك قماري ومساري سنة خمس وأربعين فأخذوا بمخنقة‏.‏ ثم اقتحموا عليه وملكوه وقتلوه فكان لبث بالملك في مصر ثلاثة أشهر وأياماً وانتقل إلى الكرك في محرم سنة ثلاث وأربعين إلى أن حوصر ومثل به‏.‏ وتوفي في أيامه طنبغا المارداني نائب حلب فولي مكانه طنبغا اليحياوي وسيف الدين طراي الجاشنكي نائب طرابلس فولي مكانه أقسنقر الناصري والله تعالى أعلم‏.‏

 وفاة الصالح بن الناصر

وولاية أخيه الكامل ثم توفي الملك الصالح إسماعيل بن الملك الناصر حتف أنفه سنة ست وأربعين لثلاث سنين وثلاثة أشهر من ولايته وبويع بعده أخوه زين الدين شعبان ولقب الكامل وقام بأمره أرغون العلاوي وولي نيابة مصر‏.‏ وعرض انجاح الملك إلى صفد ثم ره من طريقه معتقلاً إلى دمشق وبعث إلى القماري الكبير فبعثه إلى حبس الإسكندرية واستدعى طقرمرد نائب دمشق وكجك الأشرف المخلوع بن الناصر الذي ولاه قوصون وهلك انجاح الملك الجوكندار في حبسه بدمشق انتهى والله أعلم‏.‏

 مقتل الكامل وبيعة أخيه المظفر حاجي

كان السلطان الكامل قد أرهف حده في الاستبداد على أهل دولته فراراً مما يتوهم فيهم من الحجر عليه فتراسل الأمراء بمصر والشام وأجمعوا الادالة منهم‏.‏ وانتقض طنبغا اليحياوي ومن معه بدمشق سنة سبع وأربعين وبرز في العساكر يريد مصر‏.‏ وبعث الكامل منجو اليوسفي يستطلع أخبارهم فحبسه اليحياوي‏.‏ واتصل الخبر بالكامل فجرد العساكر إلى الشام واعتقل حاجي وأمير حسين بالقلعة واجتمع الأمراء بمصر للثورة وركبوا إلى قبة النصر مع أيدمر الحجازي وأقسنقر الناصري وأرغون شاه فركب إلى الكامل في مواليه ومعه أرغون العلاوي نائبه فكانت بينهما جولة هلك فيها أرغون العلاوي‏.‏ ورجع الكامل إلى القلعة منهزماً ودخل‏!‏ ن باب السر مختفياً وقصد محبس أخويه ليقتلهما فحال الخدام دونهما وغلقوا الأبواب وجمع الذخيرة ليحملها فعاجلوه عنها ودخلوا القلعة وقصدوا حاجي بن الناصر فأخرجوه من معتقله وجاؤوا به فبايعوه ولقبوه المظفر‏.‏ وافتقدوا الكامل وتهددوا جواريه بالقتل فدلوا عليه واعتقل مكان حاجي بالدهشة وقتل في اليوم الثاني وأطلق حسين وقام بأمر المظفر حاجي أرغون شاه الحجازي وولوا طقتمر الأحمدي نائباً بحلب والصلاحي نائباً بحمص وحبس جميع موالي الكامل وأخرج صندوق من بيت الكامل قيل إن فيه السحر فأحرق بمحضر الأمراء ونزع المظفر حاجي إلى الاستبداد كما نزع أخوه فقبض على الحجازي والناصري وقتلهما لأربعين يوماً من ولايته وعلى أرغون شاه وبعثه نائباً إلى صفد‏.‏ وجعل مكان طقتمر الأحمدي في حلب تدمر البدري وولى على نيابته الحاج أرطاي وأرهف حده في الاستبداد‏.‏ وإرتاب الأمراء بمصر والشام وانتقض اليحياوي بدمشق سنة ثمان وأربعين وداخله نواب الشام في الخلاف‏.‏ ووصل الخبر إلى مصر فاجتمع الأمراء وتواعدوا للوثوب‏.‏ ونمي الخبر إلى المظفر فأركب مواليه من جوف الليل وطافوا بالقلعة وتداعى الأمراء إلى الركوب واستدعاهم من الغد إلى القصر وقبض على كل من اتهمه منهم بالخلاف وهرب بعضهم فأدرك بساحة البلد واعتقلوا جميعاً وقتلوا من تلك الليلة‏.‏ وبعث بعضهم إلى الشام فقتلوا بالطريق وولى من الغد مكانهم خمسة عشرة أميراً ووصل الخبر إلى دمشق فلاذ اليحياوي بالمغالطة يخادع بها وقبض على جماعة من الأمراء‏.‏ وكان السلطان المظفر قد بعث الأمير ألجيقا من خاصته إلى الشام عندما بلغه انتقاض طنبغا اليحياوي يستطلع أخباره فحمل الناس على طاعة المظفر وأغراهم باليحياوي حتى قتلوه وبعثوا برأسه إلى مصر وسكنت الفتنة واستوسق الملك للمظفر والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

 مقتل المظفر حاجي بن الناصر

وبيعة أخيه حسن الناصر ودولته الأولى قد كنا قدمنا أن السلطان بعث جبقا إلى الشام حتى مهده ومحا أثر الخلاف منه ورجع إلى السلطان سنة ثمان وأربعين وقد استوسق أمره فوجد الأمراء مستوحشين من السلطان ومنكرين عليه اللعب بالحمام فتنصح له بذلك يريد إقلاعه عنه فسخط ذلك منه وأمر بالحمام فذبحت كلها‏.‏ وقبال لجبقا أنا أذبح خياركم كما ذبحت هذه فاستوحش جبقا وغدا على الأمراء والنائب بيقاروس وثاروا بالسلطان وخرجوا إلى قبة النصر وركب المظفر في مواليه والأمراء الذين معه قد داخلوا الآخرين في الثورة ورأيهم واحد في خلعه فبعث إليهم الأمير شيخو يتلطف لهم فأبوا إلا خلعه فجاءهم بالخبر‏.‏ ثم رجع إليهم وزحف معهم ولحق بهم الأمراء الذين مع المظفر عندما تورط في اللقاء وحمل عليه بيقاروس فأسلمه أصحابه وأمسكه باليد فذبحه في تربة أمه خارج القلعة‏.‏ ودفن هناك ودخلوا القلعة في رمضان من السنة وأقاموا عامة يومهم يتشاورون فيمن يولونه حتى هم أكثر الموالي بالثورة والركوب إلى قبة النصر فحينئذ بايعوا حسن بن الملك الناصر ولقبوه الناصر بلقب أبيه فوكل بأخيه حسين ومواليه لنفسه ونقل المال الذي بالحوش فوضعه بالخزانه‏.‏ وقام بالدولة ستة من الأمراء وهم شيخوا وطاز والجبقا وأحمد شادي والشرنخاناه وأرغون الإسماعيلي والمستبد عليهم جميعاً بيقاروس ويعرف بالقاسمي فقتل الحجازي وأقسنقر القائمين بدولة المظفر بمحبسها بالقلعة‏.‏ وولى بيقاروس نائباً بمصر فكان أرقطاي وأرغون شاه نائباً بحلب مكان تدمر البدري‏.‏ ثم نقله إلى دمشق منذ مقتل اليحياوي وولى مكانه بحلب أياس الناصر‏.‏ ثم تقبض بيقاروس على رفيقه أحمد شادي الشرنخاناه وغربه إلى صفد وأبعد الجبقا من رفقته وبعثه نائباً على طرابلس‏.‏ وبعث أرغون الإسماعيلي منهم نائباً على حلب‏.‏ وفي هذه السنة وقعت الفتنة بينه وبين مهنا بن عيسى ولقيه فهزمه ووفد أحمد أخوه على السلطان فولاه إمارة العرب وهدأت الفتنة بينهم ثم هلك سنة تسع وأربعين بعدها وولى أخوه فياض كما مر في أخبارهم والله تعالى أعلم‏.‏

 مقتل أرغون شاه نائب دمشق

كان خبر هذه الواقعة الغريبة أن الجبقا بعتوه نائباً على طرابلس وسار صحبة أياس الحاجب نائباً على حلب سنة خمسين وانتهوا إلى دمشق‏.‏ ونما إلى الجبقا عن أرغون شاه أنه تعرض لبعض حرمه بصنيع جمع فيه نسوان أهل الدولة بدمشق فكتب إليه ليلاً وطرقه في بيته‏.‏ فلما خرج إليه قبض عليه وذبحه في ربيع وصنع مرسوماً سلطانياً دافع به الناس والأمراء واستصفى أمواله ولحق بطرابلس‏.‏ وجاء الأمر من مصر باتباعه وانكار المرسوم الذي أظهروه فزحفت العساكر من دمشق وقبضوا على الجبقا وأياس الحاجب بطرابلس وجاؤوا بهما إلى مصر فقتلا‏.‏ وولي الشمس الناصري نيابة دمشق مع أرغون شاه وصلب أرغون الكافلي وذلك في جمادى سنة خمسين‏.‏ وأصل أرغون شاه من بلاد الصين جلب إلى السلطان أبي سعيد ملك التتر ببغداد فأعطاه للأمير خواجا نائب جوبان وأهداه خواجا للملك الناصر فحظي عنده وقدمه رأس نوبة وزوجه بنت عبد الواحد‏.‏ ثم ولاه الكامل أستاذ دار ثم عظمت مرتبته أيام المظفر وجعل نائباً في صفد ثم في حلب‏.‏ ولما حبس طنبغا اليحياوي على دمشق بسعاية الجبقا كما مر ولى أرغون شاه بدمشق والله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏ نكبة بيقاروس ثم أن السلطان حسن شرع في الاستبداد وقبض على منجك اليوسفي أستاذ داره وعلى السلحدار واعتقلهما من غير مشورة بيقاروس وأصحابه‏.‏ وكان لمنجك اختصاص ببيقاروس وأخوه معه فارتاب واستأذن السلطان في الحج هو وطاز فأذن لهما ودس إلى طاز بالقبض على بيقاروس وسارا لشأنهما فلما نزلا بالينبع قبض طاز على بيقاروس فخرج ورغب إليه أن يتركه يحج مقيداً فتركه‏.‏ فلما قضى نسكه ورجعوا حبسه طاز بالكرك بأمر السلطان وأفرج عنه بعد ذلك وولي نيابة حلب وانتقض بها كما نذكر بعد إن شاء الله تعالى‏.‏ وبلغ خبر اعتقاله إلى أحمد شادي الشرنخاناه بصفد فانتقض وجهز السلطان إليه العساكر فقبض عليه وجيء به إلى مصر فاعتقل بالإسكندرية وقام بالدولة مغلطاي من أمرائها والله تعالى أعلم‏.‏

 واقعة الظاهر ملك اليمن بمكة واعتقاله ثم اطلاقه

كان ملك اليمن وهو المجاهد علي بن داود المؤيد قد جاء إلى مكة حاجاً سنة إحدى وخمسين وهي السنة التي حج فيها طاز وشاع في الناس عنه أنه يروم كسوة الكعبة فتنكر وفد المصريين لوفد اليمنيين ووقعت في بعض الأيام هيعة في ركب الحاج فتحاربوا وانهزم المجاهد وكان بيقاروس مقيداً فأطلقه وأركبه ليستعين به فجلا في تلك الهيعة وأعيد إلى اعتقاله ونهب حاج اليمن‏.‏ وقيد المجاهد إلى مصر فاعتقل بها حتى أطلق في دولة الصالح سنة اثنتين وخمسين وتوجه معه قشتمر المنصوري ليعيده إلى بلاده‏.‏ فلما انتهى إلى الينبع أشيع عنه أنه هم بالهرب فقبض عليه قشتمر المنصوري وحبسه بالكرك‏.‏ ثم أطلق بعد ذلك وأعيد إلى ملكه والله أعلم‏.‏

 خلع حسن الناصر وولاية أخيه الصالح

لما قبض السلطان حسن على بيقاروس وحبسه وتنكر لأهل دولته ورفع عليهم مغلطاي واختصه واستوحشوا لذلك وتفاوضوا وداخل طاز وهو كبيرهم جماعة من الأمراء في الثورة‏.‏ وأجابه إلى ذلك بيقو الشمسي في آخرين واجتمعوا لخلعه‏.‏ وركبوا في جمادى سنة اثنتين وخمسين فلم يمانعهم أحد وملكوا أمرهم ودخلوا القلعة وقبض طاز على حسن الناصر واعتقله وأخرج أخاه حسيناً من اعتقاله فبايعه ولقبه الصالح وقام بحمل الدولة‏.‏ وأخرج بيقو الشمسي إلى دمشق وبيقر إلى حلب أسيرين وانفرد بالأمر‏.‏ ثم نافسه أهل الدولة واجتمعوا على الثورة وتولى كبر ذلك مغلطاي ومنكلي وبيبقا القمري وركبوا فيمن اجتمع إليهم إلى قبة النصر للحرب فركب طاز وسلطانه الصالح في جموعه وحمل عليهم ففض جمعهم وأثخن فيهم‏.‏ وقبض على مغلطاي ومنكلي فحبسهما بالإسكندرية وأفرج عن منجك وعن شيخو وجعله أتابكه على العساكر وأشركه في سلطانه وولى سيف الدين ملاي نيابته واختص سرغتمش ورقاه في الدولة وقبض على الشمسي المحمدي نائب دمشق ونقل إليها لمكانة أرغون الكاملي من حلب وأفرج عن بيقاروس بالكرك وبعثه مكانه إلى حلب ثم تغير منجك واختفى بالقاهرة والله تعالى أعلم‏.‏

 انتقاض بيقاروس واستيلاؤه على الشام

ومسير السلطان إليه ومقتله قد تقدم لنا ذكر بيقاروس وقيامه بدولة حسن الأولى ونكبته في طريقه إلى الحج بالكرك ولما أطلقه طاز وولاه على حلب أدركته المنافسة والغيرة من طاز واستبداده بالدولة فحدثته نفسه بالخلاف وداخل نواب الشام‏.‏ ووافقه في ذلك بالكمش نائب طرابلس وأحمد شادي الشرنخاناه نائب صفد وخالفه أرغون الكاملي نائب دمشق وتمسك بالطاعة وتعاقد هؤلاء على الخلاف مع شيخو وسرغتمش في رجب سنة ثلاث وخمسين‏.‏ ثم دعا بيقاروس العرب والتركمان إلى الموافقة فأجابه خبار بن مهنا من العرب وقراجا بن العادل من التركمان في جموعهما‏.‏ وبرز من حلب يقصد دمشق فأجفل عنها أرغون النائب إلى غزة واستخلف عليها الجبقا العادلي ووصل بيقاروس فملكها وامتنعت القلعة فحاصرها وكثر العيث من عساكره في القرى‏.‏ وسار السلطان الصالح وأمراء الدولة من مصر العساكر في شعبان من السنة وأخرج معه الخليفة المعتضد أبا الفتح أبا بكر بن المستكفي وعثر بين يدي خروجه على منجك ببعض البيوت لسنة من اختفائه فبعث به سرغتمش إلى الإسكندرية وبلغ بيقاروس خروج السلطان من مصر فأجفل عن دمشق وثار العوام بالتركمان فأثخنوا فيهم‏.‏ ووصل السلطان إلى دمشق ونزل بالقلعة وجهز العساكر في اتباع بيقاروس فجاؤوا بجماعة من الأمراء الذين كانوا معه فقتل السلطان بعضهم ثالث الفطر وحبس الباقين‏.‏ وولى على دمشق الأمير علياً المارداني ونقل منها أرغون الكاملي إلى حلب وسرح العساكر في طلب بيقاروس من مغلطاي الدوادار‏.‏ وعاد إلى مصر فدخلها في ذي القعدة من السنة وسار مغلطاي في طلب بيقاروس وأصحابه فأوقع بهم وتقبض على بيقاروس وأحمد وقطلمش وقتلهم وبعث برؤوسهم إلى مصر أوائل سنة أربع وخمسين‏.‏ وأوعز السلطان إلى أرغون الكاملي نائب حلب بأن يخرج في العساكر لطلب قراجا بن العادل مقدم التركمان فسار إلى بلده البلسين فوجدها مقفرة وقد أجفل عنها فهدمها أرغون واتبعه إلى بلاد الروم‏.‏ فلما أحس بهم أجفل ولحق بابن أرشا قائد المغل في سيواس ونهب العساكر أحياءه واستاقوا مواشيه‏.‏ ثم قبض عليه ابن أرشا قائد المغل وبعث به إلى مصر فقتل بها وسكنت الفتنة وأطلق المعتقلون بالإسكندرية وتأخر منهم مغلطاي ومنجك أياماً‏.‏ ثم أطلقا وغربا إلى الشام والله تعالى أعلم‏.‏ وفي أثناء هذه الفتن كثر فساد العرب بالصعيد وعيثهم وانتهبوا الزروع والأموال وتولى كبر ذلك الأحدب وكثرت جموعه فخرج السلطان في العسكر سنة أربع وخمسين ومعه طاز‏.‏ وسار شيخو في العساكر بغنائمهم‏.‏ وخلص السلطان من الظهر والسلاح ما لا يعبر عنه‏.‏ وأسر جماعة منهم فقتلوا وهرب الأحدب حتى استأمن بعد رجوع السلطان فأمنه على أن يمتنعوا من ركوب الخيل وحمل السلاح ويقبلوا على الفلاحة والله تعالى أعلم‏.‏